سيد محمد طنطاوي

357

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : إنكم بنسبتكم البنات إلى اللَّه - تعالى - ، لتقولون قولا عظيما في قبحه وشناعته ، وفي استهجان العقول السليمة له ، وفيما يترتب عليه من عقوبات أليمة من اللَّه - تعالى - لكم . قال - تعالى - : وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً ، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا . تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْه وتَنْشَقُّ الأَرْضُ وتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا . أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً . وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً . إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ والأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً . لَقَدْ أَحْصاهُمْ وعَدَّهُمْ عَدًّا . وكُلُّهُمْ آتِيه يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً « 1 » . ثم بين - سبحانه - أن هذا القرآن الذي أنزله على نبيه محمد صلى اللَّه عليه وسلم قد اشتمل على ألوان متعددة من الهدايات والآداب والأحكام ، فقال - تعالى - : * ( ولَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا ، وما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً ) * . وقوله - تعالى - : * ( صَرَّفْنا ) * من التصريف وهو في الأصل صرف الشيء من حالة إلى أخرى ، ومن جهة إلى أخرى . والمراد به هنا : بينا ، وكررنا ، ومفعوله محذوف للعلم به . والمعنى : ولقد بينا وكررنا في هذا القرآن أنواعا من الوعد والوعيد ، والقصص ، والأمثال ، والمواعظ والأخبار ، والآداب والتشريعات ، ليتذكر هؤلاء الضالون ويتعظوا ويعتبروا ، ويوقنوا بأنه من عند اللَّه - تعالى - فيهديهم ذلك إلى اتباع الحق ، والسير في الطريق القويم . وقوله - تعالى - : * ( وما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً ) * تصوير بديع لإصرارهم على كفرهم وعنادهم ، وإيثارهم الغي على الرشد . والنفور : التباعد والإعراض عن الشيء . يقال : نفرت الدابة تنفر - بكسر الفاء وضمها - نفورا ، إذا جزعت وتباعدت وشردت . أي : وما يزيدهم هذا البيان والتكرار الذي اشتمل عليه القرآن الكريم ، إلا تباعدا عن الحق ، وإعراضا عنه ، وعكوفا على باطلهم ، بسبب جحودهم وعنادهم وحسدهم للرسول صلى اللَّه عليه وسلم على ما آتاه اللَّه من فضله .

--> ( 1 ) سورة مريم الآيات من 88 - 95 .